مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
15
تفسير مقتنيات الدرر
عن الدين ولو كان يقول مثلا : فرعون أو هامان وإبليس لطال الكلام فقال : فلانا حتّى يتناول كلّ مضلّ في الدين * ( [ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ ] ) * أي عن القرآن والإيمان * ( [ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي ] ) * الذكر وتمكّنت منه ، وتمّ الكلام ثمّ قال اللَّه : * ( [ وكانَ الشَّيْطانُ لِلإِنْسانِ خَذُولًا ] ) * لأنّه يتبرّأ منه في الآخرة ويسلَّمه إلى الهلاك ولا يغني عنه شيئا . قوله تعالى : * ( [ وقالَ الرَّسُولُ ] ) * يعني محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله يشكو قومه : * ( [ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ] ) * يعني هجروا القرآن وهجروني وكذّبوني وجعلوه متروكا لا يسمعونه ولا يتفهّمونه . قال أكثر المفسّرين : إنّ هذا القول واقع من الرسول ويؤيّد هذا القول قوله : « وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ » « 1 » لأنّ ما ذكره اللَّه تعالى من قوله : « وكَذلِكَ جَعَلْنا » كلام في مقام التسلية للرسول ولا يليق إلَّا إذا كان وقع ذلك القول منه . وقال أبو مسلم : بل المراد أنّ الرسول يقوله في القيامة وهو كقوله : « فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً » « 2 » والقول الأوّل أولى . بيان : وفي قوله « يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ » قال ابن عبّاس : نزلت الآية في عقبة بن أبي معيط وابيّ بن خلف وكانا متخالَّين وذلك أنّ عقبة كان لا يقدم من سفر إلَّا صنع طعاما فدعا إليه أشراف قومه وكان يكثر مجالسته للرسول فقدم من سفره ذات يوم فصنع طعاما فلمّا قرّبوا الطعام قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : ما أنا بآكل من طعامك حتّى تشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأنّي رسول اللَّه ، فقال عقبة : أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأشهد أنّ محمّدا رسول اللَّه ، فبلغ ذلك ابيّ بن خلف فقال : صبأت « 3 » يا عقبة ؟ قال : لا واللَّه ما صبأت ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلَّا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له فطعم ، فقال : إنّي ما كنت براض عنك أبدا حتّى تأتيه فتبزق في وجهه ففعل ذلك عقبة وارتدّ وأخذ رحم دابّة فألقاها بين كتفيه فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : لا ألقاك خارجا من مكّة إلَّا علوت
--> ( 1 ) الفرقان : 31 . ( 2 ) النساء : 40 . ( 3 ) صبأ : خرج من دين إلى آخر .